تستعرض يارا عاصي في هذا التحليل معاناة المرضى الفلسطينيين تحت نظام القيود المفروضة على الحركة، مسلطة الضوء على الأثر المباشر لهذه السياسات على الحق في العلاج والحياة. ينشر المركز العربي واشنطن دي سي هذا التقرير في 25 فبراير 2026، موضحًا كيف تحولت تصاريح العلاج إلى مسألة حياة أو موت.
يعاني آلاف الفلسطينيين من أمراض خطيرة تتطلب رعاية متخصصة غير متاحة محليًا. يمثل الطفل محمد أبو أسعد، المصاب بسرطان الدم، نموذجًا لهذه المأساة. احتاج محمد إلى زراعة نخاع عاجلة، لكن حظر دخول فلسطينيي غزة إلى إسرائيل بعد أكتوبر 2023 حال دون حصوله على العلاج، رغم استعداد مستشفى في تل أبيب لاستقباله. رفضت محكمة إسرائيلية التماسه في فبراير 2026، لتتبدد آمال أسرته في إنقاذ حياته.
غزة وإغلاق رفح… علاج خلف الأسلاك
فرض الحصار الإسرائيلي على غزة منذ 2007 نظامًا صارمًا للعبور عبر معبري رفح وإيرز. اعتمد معظم المرضى سابقًا على المرور عبر إيرز لتلقي العلاج في القدس الشرقية أو الضفة أو إسرائيل أو الأردن، بينما شكل رفح منفذًا محدودًا للحالات الطبية إلى مصر.
دمرت الهجمات الجوية والبنية التحتية المنهكة القطاع الصحي في غزة خلال أكثر من عامين من الحرب والحصار. يحتاج نحو 18,500 مريض إلى علاج خارج القطاع، لكن القيود المشددة منذ أكتوبر 2023 أغلقت معظم المعابر. نفذت 4,895 عملية إجلاء طبي فقط بين أكتوبر 2023 ومايو 2024، قبل أن تسيطر إسرائيل على معبر رفح، فتتوقف حركة المرضى تقريبًا.
أغلقت إسرائيل رفح بالكامل في مارس 2025، ما فاقم المجاعة والأزمة الصحية. تعهدت إسرائيل بإعادة فتح المعبر ضمن اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، لكنها أعلنت لاحقًا استمرار الإغلاق. لم تسمح بالحركة عبر رفح إلا في فبراير 2026، بعد استعادة جثمان آخر أسير إسرائيلي. بين 2 و10 فبراير، غادر 142 مريضًا، بينما عاد 223 فلسطينيًا إلى غزة.
واجه المرضى خلال العبور تفتيشًا مهينًا وقيودًا صارمة على ممتلكاتهم، وتحدث بعضهم عن تقييد أيديهم وتعصيب أعينهم ومنعهم من الوصول إلى دورات المياه. تشير تقديرات منظمة “أنقذوا الأطفال” إلى أن إجلاء جميع الحالات العاجلة قد يستغرق أكثر من عام وفق الوتيرة الحالية، مع وفاة 1,268 مريضًا أثناء الانتظار.
الضفة الغربية… تفكيك الجغرافيا وتقييد الحركة
صعّدت إسرائيل منذ 2022 إجراءات تقييد الحركة في الضفة الغربية، مستهدفة شمالها أولًا ثم موسعة القيود بعد أكتوبر 2023. شيدت طرقًا مخصصة للمستوطنين، ومنعت سكان بلدات مثل حوارة من استخدام طرقهم الرئيسية. أغلقت متاجر وفرضت أوامر عسكرية على مخيمات مثل طولكرم ونور شمس وجنين، ما حظر على الفلسطينيين دخول “مناطق مغلقة” دون تصاريح عسكرية.
بلغ عدد الحواجز ونقاط التفتيش في 2025 نحو 898 حاجزًا، إضافة إلى بوابات معدنية تغلق مداخل القرى فجأة. تعيق هذه القيود حركة سيارات الإسعاف وتعرقل وصول المرضى إلى المستشفيات. وثقت تقارير إنسانية 683 حادثة إعاقة وصول للمساعدات بين يناير وديسمبر 2025، شملت منع سيارات إسعاف من الوصول إلى جرحى.
وسعت إسرائيل كذلك قيود السفر خارج الضفة. أغلقت معبر الملك حسين في أوقات عدة خلال 2025، ما منع مرضى من السفر إلى الأردن أو العودة بعد العلاج. منعت أيضًا أطباء دوليين من دخول الضفة رغم حصولهم على موافقات مسبقة.
القيود كأداة ضمن مشروع أوسع
لا تقتصر هذه الإجراءات على تنظيم أمني للحركة، بل تشكل جزءًا من سياسة أوسع تستهدف إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي. تسجل معدلات النزوح في الضفة أعلى مستوياتها منذ 1967، بينما يقيم مستوطنون بؤرًا استيطانية جديدة في مناطق أخلاها الفلسطينيون. أقرّت إسرائيل في فبراير 2026 إجراءات تسجيل أراضٍ تسهل انتقال الملكية إلى مستوطنين.
صرح مسؤولون إسرائيليون برغبتهم في تعزيز “السيادة” وتشجيع الهجرة من غزة والضفة، ما يعكس رؤية سياسية ترى في تقليص الوجود الفلسطيني هدفًا استراتيجيًا. في هذا السياق، تتجاوز قيود الحركة بعدها الإنساني لتصبح أداة فعالة لإعادة هندسة الجغرافيا والسكان.
تعكس هذه السياسات شبكة مترابطة من القيود الإدارية والعسكرية التي تمس كل جانب من حياة الفلسطينيين، من الحق في العلاج إلى حرية التنقل. عندما يحتاج مريض إلى تصاريح متعددة ومستشفى يقبله خارج بلده وحدود مفتوحة مؤقتًا، يصبح العلاج معركة بيروقراطية يومية. بذلك تتحول المعابر والحواجز من نقاط عبور إلى أدوات ضغط تمارس أمام أنظار المجتمع الدولي.
https://arabcenterdc.org/resource/israels-restrictions-on-medical-evacuations-from-gaza-and-the-west-bank/

